عثمان بن جني ( ابن جني )
351
الخصائص
والقحة ، إلى الضعة ، والقحة ، وهي عندنا فعلة ، كقصعة ، وجفنة ، ( لا أن ) فتحت لأجل الحرف الحلقىّ فيما ذهب إليه محمد بن يزيد . ومن ذلك قولهم : بأيّهم تمرر أمرر ؛ فقدّموا حرف الجرّ على الشرط فأعملوا فيه ، وإن كان الشرط لا يعمل فيه ما قبله ؛ لكنهم لمّا لم يجدوا طريقا إلى تعليق حرف الجرّ استجازوا إعماله في الشرط . فلمّا ساغ لهم ذلك تدرّجوا منه إلى أن أضافوا إليه الاسم فقالوا : غلام من تضرب أضربه ، وجارية من تلق ألقها . فالاسم في هذا إنما جاز عمله في الشرط من حيث كان محمولا في ذلك على حرف الجرّ . وجميع هذا حكمه في الاستفهام حكمه في الشرط من حيث كان الاستفهام له صدر الكلام ؛ كما أن الشرط كذلك . فعلى هذه جاز بأيّهم تمرّ ؟ وغلام من تضرب ؟ فأمّا قولهم : * أتذكر إذ من يأتنا نأته " 1 " * فلا يجوز إلا في ضرورة الشعر ؛ وإنما يجوز على تقدير حذف المبتدأ ، أي أتذكر إذ الناس من يأتنا نأته ، فلمّا باشر المضاف غير المضاف إليه في اللفظ أشبه الفصل بين المضاف والمضاف إليه ؛ فلذلك أجازوه في الضرورة . فإن قيل : فما الذي يمنع من إضافته إلى الشرط وهو ضرب من الخبر ؟ قيل : لأن الشرط له صدر الكلام ؛ فلو أضفت إليه لعلّقته بما قبله ، وتانك حالتان متدافعتان . فأمّا بأيّهم تمرر أمرر ونحوه فإن حرف الجرّ متعلّق بالفعل بعد الاسم ، والظرف في قولك : أتذكر إذ من يأتنا نأته متعلّق بقولك أتذكر ، وإذا خرج ما يتعلّق به حرف الجرّ من حيّز الاستفهام لم يعمل في الاسم المستفهم به ولا المشروط به . ومن التدريج في اللغة أن يكتسى المضاف من المضاف إليه كثيرا من أحكامه : من التعريف ، والتنكير ، والاستفهام ، والشياع وغيره ؛ ألا ترى أن ما لا يستعمل من الأسماء في الواجب إذا أضيف إليه شيء منها صار في ذلك إلى حكمه .
--> ( 1 ) هذا صورة شطر بيت من الشعر ، ولم يأت في شعر ، ولكنه أجيز إذا فرض أن أدخله شاعر في شعره . وانظر الكتاب 1 / 440 ، والهمع 2 / 62 . ( نجار ) .